أرشيف أبريل, 2008

دعوها فإنها منتنة ..

أبريل 19, 2008

لدي سؤال حائر طالما ذهب بي التفكير فيه شرقاً وغرباً ..

مالذي قسم الناس إلى (ناس لهم أصل) و (ناس مالهم أصل) , أو بالمعنى العامي (قبيلي) و (خضيري) ..

كنت بالقرب من أحد زملائي الذين عزموا على الزواج قبل فترة , وحينما تقدم هذا الشاب وهو من عائلة (قبيلة) معروفة , كان السؤال الأبرز الذي كان يعتبر محكاً في القبول أو الرفض (كما كان يبدو) : يقول والد الفتاة (أنا خضيري) .. هل هناك مشكلة .. ؟؟؟

بالنسبة لي لم أكن على علم بهذه المفردة (خضيري) ولم أكن أعلم ماذا تعني حينما سمعت بها لأول مرة ..

متى بدأت هذه العصبية المقيتة ؟؟

ولماذا استحكمت فينا بهذا الشكل بحيث أصبح (القبيلي) يرى (الخضيري) نظرة دونية .. ؟؟

متى أصبح هذا (القبيلي) انسان له أصل و (الخضيري) ليس له أصل وهما ابني آدم .. ؟؟

ألسنا نردد أن الإسلام معنى أعم وأشمل من هذه التحيزات والعصبيات التي انتقدنا عليها غيرنا من أصحاب الديانات الأخرى (كاليهود مثلاً) الذين يرون أنهم شعب الله المختار ..؟؟

ألم ننتقد الأمريكان أو (الانجلو سكسون) حينما كانوا يمارسون عنصريتهم البغيضة ضد الأمريكان السود أو (الأفرو أمريكان) .. ؟؟

اذاً لماذا نكرر السيناريو مرة أخرى لنقصي وندني من نشاء بداعي (القبلية) والأصل والفصل .. ؟؟

والسؤال الذي ما وجدت له جوابا ..

هذا الذي يدعي بأن له أصل (سوى أنه ابن آدم) منذ متى كان له هذا الأصل .. ؟؟؟

وهل نحكم على (الخضيري) بأنه سيظل طوال حياته (انسان ليس له أصل) .. ؟؟

لا أعلم لماذا مجتمعاتنا تزخر بالعديد من هذه التصنيفات القبلية والمناطقية والدينية أحياناً ..

هناك عنصرية بغيضة بين منطقة نجد وبين المنطقة الغربية مثلاً , والتصنيف اللاذع بين الفريقين على أشده .. فأهل نجد يطلقون على أهل الغربية (طرش بحر) وأهل الغربية يسمون أهل نجد (صروب) .. !!!!!!!!!

هناك عنصرية مقيتة بين القبائل (عتيبة , ثقيف , حرب , سبيع …. إلخ) , أكثر ما تتجلى في فنون الشعر والتجمعات التي تضم بعضاً من هذه القبائل كالزواجات مثلاً , ولعل أوضح دليل كان في العهد القريب (شاعر المليون) و (مزايين الإبل) ..

وعلى صعيد المذاهب الدينية وجدت أيضاً هذه التصنيفات البغيضة , وإن كانت في مجتمعنا أقل حدة , لكنها موجودة أيضاً وبالذات بين (المالكية والحنابلة) ..

كم أكره هذه التصنيفات ..

بادرني أحد المشائخ السعوديين يوماً وقد إلتقينا صدفة في معرض الكتاب الدولي بقطر قبل فترة من الزمن وكنا حينها في عزيمة غداء عند أحد وجهاء دولة قطر , بادرني بسؤاله (إلى أي مذهب تنتمي .. ؟؟) فأجبته فوراً إجابة تلقائية (لا أنتمي إلى أي مذهب , ولا أرى بالتمذهب مطلقاً) أنا أعلم أن جوابي كان ردة فعل على السؤال الممجوج الذي تبين له من إجابتي مدى عدم رضاي عنه ..

لا تقوم الحضارات على مجتمعات متهالكة وتحمل في داخلها بذور فنائها وتحللها ..

ولذلك لما أراد اليهودي شاس بن قيس أن يثير هذه النعرات بين الأوس والخزرج حينما غاظه اجتماعهم وتماسك مجتمع المدينة الذي كان مجتمعاً مثالياً بكل ما تعنيه الكلمة ..

وحينما تنادى القوم بعد النجاح الجزئي الذي حققه هذا اليهودي بالفكرة الماكرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم (يجر رداءه) وفي هذا كناية عن خطورة الأمر حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما علم بما حصل خرج (مسرعاً) يجر رداءه ..

حتى أنه حينما وصل إليهم كان غاضباً عليه الصلاة والسلام أشد الغضب وقال للصحابة رضي الله عنهم :

“أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم … ؟؟؟ دعوها فإنها منتنة” أو كما قال عليه الصلاة والسلام ..

إحدى العوالم التي تنطلق منها النهضة (كما يقول الدكتور جاسم سلطان في كتبه عن مشروع النهضة) هو عالم العلاقات .. ولذلك لا وجود للنهضة في عالم متفكك يحمل ما ذكرنا من العصبيات التي نرى بين الحين والآخر ما يذكيها ويشعلها ..

هذا المجتمع المتفكك كيف يمكن له أن يلتقي على مشروع نهضوي شامل يحتاج ليلتف الجميع حوله .. ؟؟

طالما أننا نتخندق تحت شعارات القبلية والمذهبية فسنبقى ننظر للعالم يتقدم وينهض من حولنا ونحن نراوح في أماكننا , وإلى أن يأتي الوقت الذي نتخلى فيه عن هذه العصبية المقيتة النتنة سنبقى محصورين في الإطارات الضيقة التي تجعلنا نختلف على أتفه الأشياء وأقلها شأناً ..

غني عن الذكر أن أنبه إلى أني لا أريد بكلامي هذا أن نستنسخ مجتمعاتنا ونتفق فيها على أدق الأمور .. !! لكني أريد بالطبع أن نلتقي على الرؤى العامة كما إلتقت ماليزيا متعددة الأعراق .. متعددة الديانات .. متعددة اللغات .. على رؤية (ماليزيا 2020) ونحن نراها كل يوم تسير حثيثة نحو تحقيق هذه الرؤية ..

إني أحلم بمجتمع متماسك ووطن يحمل رؤية كبيرة تذيب هذه الفروقات حتى تكون النهضة المنشودة ..

آمل أن يتحقق حلمي يوماً ما ..

في ظلال آيات ..

أبريل 6, 2008

(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد)

قرأها الإمام اليوم في صلاة العشاء , وأرجعتني هذه الآية إلى أيام كنت أستلذ فيها بما يقرأ الإمام من آيات , خاصة عندما يكون صوت الإمام وطريقة قراءته للآيات رافداً لهذا الشعور الروحي المستفيض ..

كانت الآيات مساعدة على أخذ جولة عميقة في رحابها ..

كانت الآيات تخلع على النفس بهيبتها وعنفوانها حلة قشيبة تجعل الروح تسبح في ملكوت التفكر فيها والتلذذ بما تضفيه على الروح من طمأنينة وسكينة ..

(فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) ..

يا الله ..

مشهد رهيب يبعث في النفس خوفاً وهلعاً تحتاجه في أوقات الغفلة والبعد عن الله ..

معلنة أن هناك يوم سيأتي بلا أدنى شك , فيه ستكشف الأوراق التي ولدت معك بيضاء ناصعة وأنت وحدك من كنت مسؤولاً عن كل ما كتب فيها ..

ذلك اليوم سيكون “يوم المواجهة” بعد أن طويت الصحف دهراً وأتى اليوم الذي تفتح فيه لتُخبر بما فيها من عمل الخير أو الشر ..

لا أعلم كيف سيكون الموقف ذلك اليوم , هل يستبشر الانسان بفتح صحيفته أم يريد أن يراها مطوية .. ؟؟ أول اختبار له تلك اليد التي ستتلقف هذه الصحيفة , هل ستتلقاها يمينه .. ؟؟ أم شماله .. ؟؟ أم سيأخذها من وراء ظهره .. ؟؟

حينها ليس ثمة مجال للإنكار .. وليس ثمة مجال للهروب .. وليس ثمة مجال للتراجع .. وليس ثمة مجال للتوبة ..

حينها ليس ثمة مجال سوى للتلقي والاستماع , اذ حينها “كل نفس بما كسبت رهينة” , وحصاد ذلك اليوم هو نتاج زراعة ما قبله ليس إلا ..

والميزان في ذلك اليوم عدل لا يقبل الميلان , ومستوٍ لا يقبل الانحراف , وعدالته من عدل الله سبحانه وتعالى , اذ موازين الدنيا هي أيضاً دقيقة لكن التطفيف من أصحابها (ولله المثل الأعلى) ..

(قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شيء قدير)

سبحانك يا الله ..

سبحان من له القوة المطلقة .. اذ لفظة “الملك” هنا أقرب لتوضيح الفكرة , نحن كبشر لا نعلم سلطة (في الدنيا) أكبر من سلطة الملك , ولا منصباً أعلى من منصبه , فحينما تأتي الآية لتقرر القوة المطلقة التي تهب هذه السلطة وتهب هذا المنصب يصبح وقع الآية أشد على النفس وأكثر تقريراً لهذه الحقيقة التي تجعل القلب مشدوهاً عندها عندما تقترن بالعز والذل والتي هي بطبيعة الحال تقترن اقتراناً موضوعياً بالملك ..

لفظة (من يشاء) تقرر الإرادة المطلقة لله سبحانه وتعالى في إعطاء ما لا يملك إعطائه أحد سواه ..

سبحان الملك الذي يهب الملك لمن يشاء , وينزعه ممن يشاء .. ويعز من يشاء ويذل من يشاء .. وهو مع ذلك كله بيده الخير كل الخير , اذ أن الملك هو مستودع الخير والشر وتعالى الله سبحانه أن يكون منه إلا الخير .

(قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات ومافي الأرض والله على كل شيء قدير)

وهنا تتبين لنا حقيقة علم الله سبحانه وتعالى المطلق حتى في أدق الأشياء التي تكنها النفس , وسبحان الذي يعلم خلجات النفس وتهويماتها .. يتبين لي من هذه الآية جانب خفي يهذب النفس ويربيها , اذ أن النفس حينما تعلم بأن ما تبديه وما تخفيه يعلمه الله عز وجل كيف لها بعد ذلك أن أن تضمر سوءاً أو خيانة لبشر وعلم الله الواسع مطلع عليها .. !!

هذه مرحلة سامية وقمة سامقة في التأدب مع الله سبحانه وتعالى عن أن يطلع على ما لا يرضاه وتنزيهه سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق به سبحانه فضلاً عن ما لا يليق بالبشر أن يطلعوا عليه .. وتأتي الآية التي بعدها لتقرر نفس الحقيقة التي تكررت في مجموعة الآيات وهي “حقيقة علم الله الواسع الذي يحيط بكل شيء” يقول تعالى : (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) تؤكد الآية حقيقة لها وقع عظيم على النفس , وهي حقيقة أن كل انسان مرهون بما يقدم , وأنه سيرى رأي العين في ذلك اليوم كل ما قدمه من جانبي (الخير والشر) , فأخفت الآية ردة الفعل (البديهية) من رؤية جانب الخير , وأوضحت لنا ردة الفعل من جانب السوء الذي يتمنى الانسان حينها أن يكون بينه وبين هذا السوء آماداً بعيدة ..

ويحذر الله الناس من نفسه وفي نفس الوقت يبعث فيهم اللمسة الحانية بقوله تعالى (والله رؤوف بالعباد)

لا أدعي أن كل هذه المعاني قد استوردتها والإمام يتلوا آيات الله , لكنني متأكد بأنه في المرة القادمة سيكون قلبي حاضراً للتلذذ بها ..