لدي سؤال حائر طالما ذهب بي التفكير فيه شرقاً وغرباً ..
مالذي قسم الناس إلى (ناس لهم أصل) و (ناس مالهم أصل) , أو بالمعنى العامي (قبيلي) و (خضيري) ..
كنت بالقرب من أحد زملائي الذين عزموا على الزواج قبل فترة , وحينما تقدم هذا الشاب وهو من عائلة (قبيلة) معروفة , كان السؤال الأبرز الذي كان يعتبر محكاً في القبول أو الرفض (كما كان يبدو) : يقول والد الفتاة (أنا خضيري) .. هل هناك مشكلة .. ؟؟؟
بالنسبة لي لم أكن على علم بهذه المفردة (خضيري) ولم أكن أعلم ماذا تعني حينما سمعت بها لأول مرة ..
متى بدأت هذه العصبية المقيتة ؟؟
ولماذا استحكمت فينا بهذا الشكل بحيث أصبح (القبيلي) يرى (الخضيري) نظرة دونية .. ؟؟
متى أصبح هذا (القبيلي) انسان له أصل و (الخضيري) ليس له أصل وهما ابني آدم .. ؟؟
ألسنا نردد أن الإسلام معنى أعم وأشمل من هذه التحيزات والعصبيات التي انتقدنا عليها غيرنا من أصحاب الديانات الأخرى (كاليهود مثلاً) الذين يرون أنهم شعب الله المختار ..؟؟
ألم ننتقد الأمريكان أو (الانجلو سكسون) حينما كانوا يمارسون عنصريتهم البغيضة ضد الأمريكان السود أو (الأفرو أمريكان) .. ؟؟
اذاً لماذا نكرر السيناريو مرة أخرى لنقصي وندني من نشاء بداعي (القبلية) والأصل والفصل .. ؟؟
والسؤال الذي ما وجدت له جوابا ..
هذا الذي يدعي بأن له أصل (سوى أنه ابن آدم) منذ متى كان له هذا الأصل .. ؟؟؟
وهل نحكم على (الخضيري) بأنه سيظل طوال حياته (انسان ليس له أصل) .. ؟؟
لا أعلم لماذا مجتمعاتنا تزخر بالعديد من هذه التصنيفات القبلية والمناطقية والدينية أحياناً ..
هناك عنصرية بغيضة بين منطقة نجد وبين المنطقة الغربية مثلاً , والتصنيف اللاذع بين الفريقين على أشده .. فأهل نجد يطلقون على أهل الغربية (طرش بحر) وأهل الغربية يسمون أهل نجد (صروب) .. !!!!!!!!!
هناك عنصرية مقيتة بين القبائل (عتيبة , ثقيف , حرب , سبيع …. إلخ) , أكثر ما تتجلى في فنون الشعر والتجمعات التي تضم بعضاً من هذه القبائل كالزواجات مثلاً , ولعل أوضح دليل كان في العهد القريب (شاعر المليون) و (مزايين الإبل) ..
وعلى صعيد المذاهب الدينية وجدت أيضاً هذه التصنيفات البغيضة , وإن كانت في مجتمعنا أقل حدة , لكنها موجودة أيضاً وبالذات بين (المالكية والحنابلة) ..
كم أكره هذه التصنيفات ..
بادرني أحد المشائخ السعوديين يوماً وقد إلتقينا صدفة في معرض الكتاب الدولي بقطر قبل فترة من الزمن وكنا حينها في عزيمة غداء عند أحد وجهاء دولة قطر , بادرني بسؤاله (إلى أي مذهب تنتمي .. ؟؟) فأجبته فوراً إجابة تلقائية (لا أنتمي إلى أي مذهب , ولا أرى بالتمذهب مطلقاً) أنا أعلم أن جوابي كان ردة فعل على السؤال الممجوج الذي تبين له من إجابتي مدى عدم رضاي عنه ..
لا تقوم الحضارات على مجتمعات متهالكة وتحمل في داخلها بذور فنائها وتحللها ..
ولذلك لما أراد اليهودي شاس بن قيس أن يثير هذه النعرات بين الأوس والخزرج حينما غاظه اجتماعهم وتماسك مجتمع المدينة الذي كان مجتمعاً مثالياً بكل ما تعنيه الكلمة ..
وحينما تنادى القوم بعد النجاح الجزئي الذي حققه هذا اليهودي بالفكرة الماكرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم (يجر رداءه) وفي هذا كناية عن خطورة الأمر حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما علم بما حصل خرج (مسرعاً) يجر رداءه ..
حتى أنه حينما وصل إليهم كان غاضباً عليه الصلاة والسلام أشد الغضب وقال للصحابة رضي الله عنهم :
“أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم … ؟؟؟ دعوها فإنها منتنة” أو كما قال عليه الصلاة والسلام ..
إحدى العوالم التي تنطلق منها النهضة (كما يقول الدكتور جاسم سلطان في كتبه عن مشروع النهضة) هو عالم العلاقات .. ولذلك لا وجود للنهضة في عالم متفكك يحمل ما ذكرنا من العصبيات التي نرى بين الحين والآخر ما يذكيها ويشعلها ..
هذا المجتمع المتفكك كيف يمكن له أن يلتقي على مشروع نهضوي شامل يحتاج ليلتف الجميع حوله .. ؟؟
طالما أننا نتخندق تحت شعارات القبلية والمذهبية فسنبقى ننظر للعالم يتقدم وينهض من حولنا ونحن نراوح في أماكننا , وإلى أن يأتي الوقت الذي نتخلى فيه عن هذه العصبية المقيتة النتنة سنبقى محصورين في الإطارات الضيقة التي تجعلنا نختلف على أتفه الأشياء وأقلها شأناً ..
غني عن الذكر أن أنبه إلى أني لا أريد بكلامي هذا أن نستنسخ مجتمعاتنا ونتفق فيها على أدق الأمور .. !! لكني أريد بالطبع أن نلتقي على الرؤى العامة كما إلتقت ماليزيا متعددة الأعراق .. متعددة الديانات .. متعددة اللغات .. على رؤية (ماليزيا 2020) ونحن نراها كل يوم تسير حثيثة نحو تحقيق هذه الرؤية ..
إني أحلم بمجتمع متماسك ووطن يحمل رؤية كبيرة تذيب هذه الفروقات حتى تكون النهضة المنشودة ..
آمل أن يتحقق حلمي يوماً ما ..


