أرشيف أكتوبر, 2008

الاضراب .. حقك المشروع

أكتوبر 26, 2008

انتشر في اليومين الماضية تنادي مجموعة من المواطنين الأحرار في هذا البلد للاضراب عن الطعام احتجاجاً منهم على المعاملة السيئة التي يجدها سجناء الرأي والاصلاح ودعاة العدل والشورى في السجون السعودية , والتي تخالف ما ورد في أنظمة وزارة العدل السعودية وبالتحديد ما ورد في “نظام الاجراءات الجزائية” , والذي ينص في الكثير من مواده على حقوق للمتهم والسجين تتجاهلها السلطات السعودية جملة وتفصيلاً ..

وإن كان أخذ المواطنين واعتقالهم بسبب آرائهم يعد في حد ذاته جريمة , إلا أن الجريمة الأكبر أن تتجاهل كل الأنظمة التي أقررتها في دلالة واضحة على مدى التناقض الذي يزيد من الهوة بين الشعب وقيادته التي لا تحترم الأنظمة التي من المفترض أن تسوس بها رعيتها ..

في الجانب المقابل لابد أن يقول الشعب كلمته تجاه هذا الانتهاك الصارخ , ومادامت الحكومة رضيت بهذه القوانين وصادقت عليها فهي ملزمة بتطبيقها , ومن حق الشعب أن يطالب بهذا الحق ..

الاضراب في حقيقته وسيلة سلمية مشروعة وهي تفوت الفرصة على من يريد أن يعدها جريرة ينكل بها , لأنها تعبير سلمي راق في مضمونه ودلالته , والاضراب عن الطعام بشكل خاص أكثر مسالمة من غيره , بالذات لمن ينعمون بنسيم الحرية ..

اذ ماذا يعني للدولة أن يضرب 1,000,000 مواطن عن الطعام مثلاً .. ؟؟؟

هل سيحدث ذلك هزة اقتصادية .. ؟؟؟

هل ستبور السلع في الأسواق .. ؟؟؟

هل سيؤثر ذلك على حركة الصادرات والواردات .. ؟؟؟

بالطبع سيكون الجواب : لا

الاضراب عن الطعام في مثل هذه الحالة هو عبارة عن “تسجيل موقف” يدعم قضية عادلة , ومطالبة مشروعة ..

3 أمور أخشى أن تكون من عوامل (إفشال) الاضراب :

الأول : الخوف المستحكم في العقول والقلوب عبر سياسة “التدجين” التي مورست من قبل أطراف شتى , ونشأ عليها غالبية الجيل الذي يمثل اليوم الكتلة الحرجة في الحراك والتغيير ..

فالقصص التي تروى عن الذين غادرونا إلى ما وراء الشمس ..

والتلصص الذي يمارسه البعض من ضعاف النفوس ..

كل ذلك أورثنا خوف وهلع شديد حتى مما لا يخاف منه , وبتنا نخاف حتى من ظلالنا , وأصبح الكلام في الشأن العام من المحرمات إلا أن يكون همساً خشية أن تسمع الجدران ما نتهامس به فيما بيننا فتصدر لنا أوامر إركاب على الدرجة الأولى إلى (ما وراء الشمس :)

الثاني : أن يخرج علينا أحد المشائخ ورجال الدين ليقول لنا بأن هذا (حرام) وأن الاسلام أتى بالكليات الخمس وأمر بالحفاظ عليها ومنها حفظ النفس ..

والمشائخ عندنا لديهم قدرة عجيبة على (إجهاض) مشروع كامل طالما أنهم يتحكمون بعواطف الكثير من البشر , ويكفي الشيخ أن يحسن إيراد بعض الأدلة التي يسوقها لإثبات أفكاره المؤدلجة ويختمها بالقول بأن هذا الفعل (لا يجوز أو حرام) لتجد هذه النتيجة طريقها إلى العقول المنومة مغناطيسياً لتسير وفق الاملاءات الموجهة ..

الثالث : أن تسيطر شهوة الأكل وملء البطن على العبد الضعيف فيفقد ارادته , ورحم الله الداعين إلى الاضراب فقد كان يكفي يوم واحد أو سويعات محددة للاضراب بدلاً عن يومين كاملين , ولعله فاتهم أن (التخمة) قد أصابت الشعب السعودي في مقتل , ومشهد (الكبسة) يتهاوى أمامه أكثر الناس قوة وتحملا ..

يا قوم إن الأمر جد ..

“اربطوا الحجارة على بطونكم”

لحوم العلماء مسمومة ..

أكتوبر 14, 2008

كثيراً ما نسمع هذه الجملة تتكرر كثيراً , ويحفظها كل أحد ..

وكثيراً ما يتم استخدامها بشكل مشاع بمناسبة وبدون مناسبة ..

وأنا هنا لا أعلم هل وصلت محاربتنا للأصوات الناقدة أن نستدعي بعض المقولات – الصحيحة في مضمونها المنفلتة في توظيفها – لنبرزها كالسيف في محاربة كل من يبدي رأيه تجاه أمر معين .. ؟؟؟؟

وهل انتقاد شيخ – ان صحت التسمية – لفتوى أو رأي أو محاضرة أو درس يدخل ضمن مقولة (لحوم العلماء مسمومة) .. ؟؟؟

وهل مناقشته فيها يعتبر من المحظور الذي فيه تعدي على ذاته مقدسة .. ؟؟؟

لماذا كلما رأينا كاتباً أو متحدث اقترب من “أصحاب العمائم والبشوت” وانتقدهم في جانب أو في رأي اتهمناه على دينه ونواياه .. ؟؟؟

في الواقع أن (المشائخ وطلاب العلم) حصلوا على حصانة من الناس لم يحصل عليها دبلوماسيين غربيين في بلادنا :) , وهذا أمر أصابنا بحالة من التبلد والجمود الفكري والذهني , وغرس فينا نبتة بغيضة اسمها (التبعية) دون أن يصاحبها حظ من النظر ..

لعلنا نتفق جميعاً أنه (لا قداسة) لكلام العلماء بداية , ولا معصوم إلا صاحب القبر صلى الله عليه وسلم , وغيره يؤخذ من كلامهم ويرد طالما أنهم بشر معرضون للخطأ والصواب , وهنا يبرز التساؤل ذاته (لماذا نقدس أقوالهم طالما أنها بشرية محضة وقابلة للخطأ والصواب) .. ؟؟

قد يقول البعض وأين هذه القداسة التي تدعيها .. ؟؟ فأقول أن الأمر أوضح من أن يفسر , إذ يكفيك أن تنظر في مقال صحفي ينتقد كلاماً أو فتوى أو رأي لشيخ معين وتتابع التعليقات الواردة على هذا المقال لتعلم أن القداسة ضاربة بأطنابها في عقول الكثير الذي يعد انتقاد (رجل دين) طامة من الطوام التي يكال لصاحبها ما يستحقه من الأوصاف البشعة والنوايا السيئة ..

للأسف أنه يتم تغييب العديد من مواقف السيرة التي تنقض هذه القدسية الوهمية جملة وتفصيلا , مع حفظها لمكانة العلماء وقدرهم وتكريمهم بالعلم الذي يحملونه في صدورهم وعقولهم ..

فالمرأة التي ردت على عمر بن الخطاب وهو على المنبر لم تصبها لوثة القداسة كون عمر رضي الله عنه  (خليفة المسلمين أو أنه قد يكون أعلم منها) , وعمر رضي الله عنه يجسد الموقف الأروع حينما يؤصل لمبدأ جميل وهو الاعتراف بالخطأ فيقول : (أصابت امرأة وأخطأ عمر) ..

هذا عمر رضي الله عنه ذاته الذي سأل الصحابة وهم على المنبر (ماذ تصنعون ان قلت هكذا) وأشار بيده اشارة تدل على النكوص عن الطريق المستقيم , ليرد عليه أحد الصحابة رضي الله عنهم (اذا لقلنا بسيوفنا هكذا) ..

ألا تبني فينا هذه المواقف أساساً لعلاقة مشتركة بين (المشائخ وطلاب العلم) و (المنتقدين من عامة الناس) , أم أن هالة القداسة أصابت أعيننا فلن نعد نرى سوى (جزاك الله خير يا شيخ) ومعها الذين انبروا للدفاع عن كل ما يصدر عنهم دون أن يكون للعقل نصيباً من التحكيم في ما يصدر عن (فضيلته أو سماحته) ..

غني عن الذكر القول بأن في كل جانب (غلاة) يشطحون عن السواد الأعظم , وهم ليسوا محور الحديث هنا وليسوا المعنيين بهذا الكلام ..

نحفظ لشيوخنا قدرهم ولا يمنعنا ذلك من ابداء آرائنا في فتاويهم واطروحاتهم التي لنا فيها رأي آخر قد يكون مخالفاً لهم , وكما أن علينا أن نكون موضوعيين ومؤدبين في انتقادنا لهم فعليهم هم أيضاً أن يرخوا أسماعهم للآراء التي تخالفهم , وأن لا يضيقوا بها ذرعاً طالما أنهم ليسوا “أنبياء معصومين” ..